رئيس جامعة القاهرة يكتب مقالا عن حقيقة كيد النساء في القرآن الكريم

وكالة أخبار المرأة 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
القاهرة - " وكالة أخبار المرأة "

نشر الدكتور محمد عثمان الخشت أستاذ فلسفة الدين- ورئيس جامعة القاهرة ، عبر حسابه الرسمي على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك مقالا مقال عن حقيقة كيد النساء في القرآن الكريم بعنوان كيد النساء .
 وقال رئيس جامعة القاهرة في مقاله : سبق أن كتبنا ثلاث عشرة مقالة تحت عنوان "ضد التصور الأسطوري للمرأة"، في جريدة الأهرام العريقة، لكن مقتضيات الاهتمام بالشأن التعليمي وهموم البحث العلمي اقتضت قطع تلك السلسلة وكتابة مجموعة من المقالات عن التعليم والبحث العلمي، واليوم نعاود هذه السلسلة في إطار مشروع تأسيس خطاب ديني جديد وتطوير العقل المصري وإزاحة مساحات من الأساطير التي تحتل الخريطة الذهنية للخطاب الديني التقليدي.
وأضاف : انطلاقا من العقل النقدي، يجب أن نعيد النظر في أحكامنا، ولا عيب في أن يخضع فكرنا للتطور، بل يجب علينا أن نتطور بتطور الزمان ونتيجة لازدياد المعارف والخبرات والبحث العلمي. وقد تطور فقه الإمام الشافعي ثلاث مرات في حياته، كما أن الإمام أحمد بن حنبل له ثلاثة آراء في المسألة الواحدة في كثير من القضايا، والفتوى نفسها تختلف باختلاف الأحوال وتغير الظروف وحسب المستفتي، والأحكام المستنبطة من القرآن تتغير بتغير السياقات والملابسات، مثل حكم المؤلفة قلوبهم، وحكم الزكاة، وحكم حد السرقة، كأمثلة شهيرة حدثت في فقه عمر بن الخطاب رضي الله عنه. بل إن الوحي الكريم نفسه اختلف باختلاف السياقات الزمانية والمكانية وباختلاف نوع المتلقي عبر الزمن، (انظر كتابنا: تطور الأديان).
وأكد أنه إذا كان موضوع المرأة، مثل غيره من الموضوعات، قد تعرض لكثير من الأفكار الخاطئة والأساطير التي ورثناها من الخطاب الديني التقليدي، فمن الواجب علينا مواصلة إزاحة سُحب الضباب من سماء الثقافة العربية، وإعادة تأسيس خطاب ديني جديد؛ حتى تظهر الأفكار المنضبطة والتصورات الواقعية التي تنسجم مع حدود البحث العلمي وضوابطه.
وأشار إلى أنه من الموضوعات والتصورات التي يكثر فيها اللغط، وتدخل في باب الأساطير والأفكار غير المنضبطة عن المرأة من وجهة نظرنا، مسألة الحكم الشائع في ثقافتنا وكثير من الثقافات عن " كيد النساء" بوصف الكيد ظاهرة نسائية شريرة، وأن النساء كيدهن عظيم! والغريب أن البعض يترك ثقافته تلون فهم نصوص القرآن الكريم، والبعض يفهم تلك النصوص في ضوء الموروثات الاجتماعية الموروثة من عصور الجاهلية.
وأكد أنه من تلك التصورات، ذلك التصور الشائع عن كيد النساء العظيم، وكأن "الكيد العظيم" حالة نسائية خاصة! حيث يشيع فهم مغلوط للوحي الكريم في موقفه من مسألة كيد النساء، ويُصدر هذا الفهم المغلوط حكما عاما بأن "كل النساء كيدهن عظيم"، أو أن "كيد المرأة عظيم"، هكذا بإطلاق ودون تمييز، فهل القرآن الكريم أصدر هذا الحكم العام؟ وقبل أن نجيب على هذا السؤال، وفي ضوء ضابط تفسير القرآن بالقرآن: ما موقف القرآن الكريم من الكيد في سوره وآياته الكريمة بشكل عام؟ والإجابة على هذا السؤال ضرورة علمية منهجية حتى يمكن أن نفهم الخاص في ضوء العام، وحتى لا نقع في الفهم الجزئي المبتور عن السياق العام، وهو خطأ منهجي صارخ، بل مغالطة منطقية يقع فيها الكثيرون ممن يجتزؤون آيات القرآن الكريم ويقعون في خطأ تعميمها دون حصر الحالات الجزئية، فالتعميم المعتمد على الجزء، ونزع الآيات من سياقها، خطأ منهجي تسبب في كثير من الأحكام العامة المغلوطة التي لا تزال مسيطرة على ثقافتنا وطريقتنا في التفكير.
وقال : لننظر في آيات القرآن لنرى إذا كان الكيد حالة خاصة ملصقة بالمرأة أم لا؟ وعلى سبيل المثال، نجد في سورة النساء حديثا عن كيد الشيطان، (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا)، [النساء: 76]. وفي سورة الأنفال حديث عن كيد الكافرين، (ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ)، [الأنفال: 18].
واستكمل : أما سورة يوسف، فبها حديث عن كيد أخوة يوسف الذكور له، (قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ)، [يوسف: 5، 6]، ثم حديث عن الكيد الذي تعرض له يوسف مرة أخرى من امرأة العزيز، (فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ)، [يوسف: 28]، وأيضا في سورة يوسف (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ)، [يوسف: 52]، كما أن سورة يوسف تبين أن الكيد قد يكون من أجل تحقيق الخير، (فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) [يوسف: 76، 77]. وفي سورة طه حديث عن كيد الساحر، (وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى)، [طه: 69]، وفي سورة الأنبياء يمارس إبراهيم أبو الأنبياء الكيد في صراعه ضد الوثنية، (وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ)، [الأنبياء: 57]، وأيضا يمارس الوثنيون الكيد ضد إبراهيم عليه السلام، (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ. وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ)، [الأنبياء: 69، 70]
 وقال : في سورة الصافات ذكر للكيد الذي تعرض له إبراهيم عليه السلام، (فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ)، [الصافات: 98]، وفي سورة غافر حديث عن كيد الكافرين، ( فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ)، [غافر: 25]، وبها أيضا حديث عن كيد فرعون، (وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ) [غافر: 37]، وفي سورة الطور منسوب إلى الله، (وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ)، (القلم:45). وفي سورة الطور حديث آخر عن الكيد، (أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ)، [الطور: 42]. وأيضا في سورة المرسلات، (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ. هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ. فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ)، [المرسلات: 37 - 39]. وفي سورة الأعلى حديث عن الكيد والكيد المضاد، (إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا. وَأَكِيدُ كَيْدًا. فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا)، (الأعلى: 15- 17).
واستكمل مقاله قائلا : إذن من الواضح من استعراض هذه الآيات، أن الكيد نوع من التدبير الذي يشتمل على حيلة واستدراج من طريق غير معلوم، وأنه يتفاوت في درجة إحكامه. ومن الواضح كذلك أن الكيد قد يكون في الشر، وقد يكون في الخير، وقد يكون سلبيا، وقد يكون إيجابيا، ولكن استخدامه أكثر في السياقات السلبية. وقد يكون الكيد ضعيفا، وقد يكون قويا، وقد يكون عظيما. وقد ظهر أيضا أن الكيد منسوب في النص القرآني إلى أطراف عديدة؛ فهو مسألة عامة لا تطال المرأة فقط، بل تطال الرجال أيضا. وقد يُنسب إلى الأنبياء، وقد يُنسب إلى الله تعالى بمعنى خاص ، لكن ألم يأت في القرآن الكريم القول: (إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ)؟! الإجابة في المقال القادم إن شاء الله ".

أخبار ذات صلة

0 تعليق