إردوغان في مصر الشهر المقبل "بحث العلاقات الثنائية وحرب غزة"

الحكاية 0 تعليق ارسل طباعة حذف

يعتزم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان زيارة مصر الشهر المقبل، بحسب مسؤولين أتراك.

ونقلت وكالة بلومبرج للأنباء اليوم الأربعاء، عن مسؤولين أتراك مطلعين قولهم إن "الرئيس رجب طيب أردوغان سيزور مصر الشهر المقبل، في مسعى لتحسين العلاقات بين البلدين بعد توتر دام لنحو 10 سنوات".

وأضاف التقرير أنه من المتوقع أن تتناول المحادثات بين أردوغان والرئيس عبدالفتاح السيسي على شحنات المساعدات للفلسطينيين في غزة والخطوات التي يمكن اتخاذها لإنهاء الحرب.

وشهد مسار التقارب بين مصر وتركيا دفعة كبيرة بعد لقاء جمع الرئيسين السيسي وأردوغان على هامش افتتاح كأس العالم لكرة القدم في الدوحة في نوفمبر 2022.

كما أجرى الرئيس السيسي اتصالا هاتفيا بنظيره التركي عقب زلزال فبراير الماضي أعرب خلاله عن تضامن مصر مع تركيا في مصابها الأليم.

وعقب الزلزال تبادل وزيرا خارجية البلدين سامح شكري، ووقتها مولود جاويش أوغلو الزيارات، ولعب التضامن المصري مع تركيا الذي شمل إرسال مساعدات دورا كبيرا في دفع عملية التقارب قدما إلى الأمام.

وفي شهر يوليو الماضي، قرر البلدان عودة سفرائهما إلى القاهرة وأنقرة، كما جمعت اتصالات هاتفية بين السيسي وأردوغان لبحث الحرب الحالية في غزة.

 

في عام 2003 تولّى رجب طيب إردوغان زعامة تركيا. أصبح رئيساً للوزراء زهاء 10 سنوات، ثمّ رئيساً للجمهورية 10 سنوات أخرى، ليصبح الرجل الأول في النظامين البرلماني والرئاسي معاً، وأقوى زعيم لتركيا منذ مؤسّس الدولة مصطفى كمال أتاتورك.

 

في عام 2023 يواجه إردوغان انتخابات صعبة، وإذا ما نجح فيها فستكون تركيا إزاء العقد الثالث من حكم إردوغان الذي يبدو وكأنّه بلا نهاية.

 

ما جاء بالزلزال يذهب بالزلزال

 

تحاول الأحزاب الستّة المعارضة إسقاط إردوغان، وليكن ما يكون بعد ذلك، فالمهمّ أن تكون تركيا أخيراً من دون إردوغان. وفي إسطنبول يقول الناس: "لقد جاء إردوغان بالتزامن مع زلزال وسوف يذهب مع الزلزال الجديد".

 

قال لي صحافي أوروبي إنّ إردوغان أصبح مخيفاً حتّى لإدارته، لدرجة أنّه لم يستطع أحد إيقاظه من النوم حينما وقع الزلزال، وانتظروا حتّى يصحو من تلقاء نفسه. ولمّا فوجئ بدخول الجيش الميدان للمساعدة في الإنقاذ وضبط الأمن قام بإعادته إلى الثكنات، خوفاً من أيّ تداعيات سياسية، ولم يقُم بإعادته إلا بعد ثلاثة أيام، بعدما صارت الأوضاع أكثر ترويعاً، ولربّما لو لم يقُم بذلك لكانت الأضرار أقلّ ممّا كان.

 

يتحدّثون في تركيا أيضاً عن الليرة التي وصلت إلى عُشر قيمتها في عشر سنوات، وعن التضخّم الذي وصل إلى المستوى الأعلى منذ ربع قرن. ويرون في وعود المعارضة باستقلال البنك المركزي، ووضع دستور جديد، واعتماد النظام البرلماني مرّة أخرى، الأمل في تجاوز إردوغان واقتصاده.

 

إردوغان.. 360

 

قام إردوغان بالهجوم الشديد على مصر منذ عام 2013، وبعد عشر سنوات صافح الرئيس عبد الفتاح السيسي، وتجري الترتيبات لعقد أوّل قمّة بينهما.

 

قضى إردوغان السنوات الفائتة دفاعاً عن نظام محمد مرسي، وخصّص له في خطبه وأحاديثه مساحةً كبيرة تجاوزت في أحيان كثيرة مساحة الداخل التركي. وبعد عشر سنوات كان وزير خارجيّته يتجوّل في قصر التحرير بوزارة الخارجية المصرية، ويطالع صور رؤساء مصر، ولم تكن من بينها صورة لمحمد مرسي، ومع ذلك لم ينطق أحد في نظام إردوغان بكلمة واحدة.

 

وفي سوريا قام إردوغان بالهجوم الشديد على نظام بشار الأسد، واستضاف 4 ملايين لاجئ سوري في بلاده، وقطع كلّ العهود على نفسه بإسقاط النظام. ثمّ بعد سنوات طويلة شرع يجهّز لعقد قمّة تركية - سورية، ويرتّب لإعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم من دون اتفاق يضمن سلامتهم!

 

صوت الاقتصاد

 

تصل الاستثمارات التركية في مصر إلى أكثر من 2 مليار دولار، وبينما تُعدّ مصر أكبر مستورد في القارّة الإفريقية من تركيا، فإنّ تركيا كانت أكبر مستورد للمنتجات المصرية بنحو 4 مليارات دولار عام 2022.

 

في لقاء رئيس الوزراء المصري مع وفد رجال الأعمال التركي، الذي كان معتاداً زيارة القاهرة في زمن الرئيس الأسبق حسني مبارك، وقد غاب عقداً كاملاً ثمّ عاد عام 2023، أعلن الوفد توظيف استثمارات جديدة في مصر بنحو 500 مليون دولار.

 

في عام 2021 بدأت مصر وتركيا ما سُمّيت بـ"المحادثات الاستكشافية" على مستوى نائبَي وزير الخارجية، وبينما كانت الأمور تتقدّم بطيئاً، ثمّ تعود للوراء، جاء كأس العالم في قطر 2022 ليشهد مصافحة الرئيسَيْن، ثمّ جاء زلزال تركيا 2023 ليلغىي المسافة بين الحكومتين.

 

اتّصل الرئيس السيسي بالرئيس إردوغان للمرّة الأولى، وأرسلت مصر طائرات وسفناً ومساعدات إلى تركيا. وزار وزير الخارجية المصري تركيا للعزاء والمساندة، فزار وزير الخارجية التركي مصر لإعادة العلاقات والمصالحة.

 

وكأنّ شيئاً لم يكن

 

في أحاديث الساسة الأتراك عن مصر، تبدو الأمور مثالية جدّاً، وكأنّ هذه السنوات العشر لم تكن. وفي تصريحات وزير الخارجية التركي في القاهرة بدا أنّ العلاقات بين القاهرة وأنقرة لا تمضي نحو التطبيع فحسب، بل وتتّجه نحو الشراكة الاستراتيجية.

 

كان المشهد في العشريّة السابقة كالتالي: إطلاق قناتَيْ "مكملين" و"الشرق" عام 2014، وقناة "وطن" عام 2016 في إطار الإعلام الموجّه ضدّ القاهرة.

 

في عام 2014 أيضاً أعلن الرئيس إردوغان استضافة قادة الإخوان، وفي السنوات التالية وصل عدد المصريين الإخوان في تركيا إلى عشرات الآلاف بحسب تقدير BBC. في تلك العشريّة أيضاً توتّرت العلاقات بين مصر وتركيا في شرق المتوسط وفي ليبيا.. وصولاً إلى إثيوبيا.

 

في عام 2023 تبدّل كلّ شيء، وراح وزير الخارجية التركي يتحدّث عن "صفر مشكلات" بين القاهرة وأنقرة. قال الوزير التركي إنّ "الاتفاقيات بين تركيا وليبيا ليست ضدّ مصر، واتفاقيات مصر واليونان ليست ضدّ تركيا، وإنّ مصر راعت مصالح تركيا حين أبرمت اتفاقياتها مع اليونان. وأمّا اعتراض مصر على اتفاقيات تركيا مع ليبيا فقد كان بسبب اعتبار مصر أنّ الحكومة الليبية بلا شرعية وقد انتهت ولايتها، وليس بسبب أنّ الاتفاقيات ضدّ مصر. وإذا كانت مصر غير مرتاحة لوجودنا في ليبيا فإنّه لن يكون ضدّ مصر، ومصر ترى أنّ التعاون العسكري التركي الليبي ليس تهديداً لها".

 

يتحدّث الأتراك عن أنّ ترسيم الحدود البحرية بين القاهرة وأنقرة سيكون في صالح مصر، التي ستحصل على 15 ألف كلم مربّع في منطقة شرق المتوسط الغنيّة بالغاز.

 

عرضت تركيا استقبال الغاز المصري لبيعه في أوروبا، كما عرضت الوساطة بين مصر وإثيوبيا في قضية سدّ النهضة، ودعت وزارة الدفاع التركية الجيش المصري إلى القيام بمناورات عسكرية مشتركة.

 

الشرق الأوسط الجديد

 

ليست العلاقات المصرية التركية وحدها هي المتغيّر الجديد في المنطقة. فالعلاقات السعودية الإيرانية هي أحد أهمّ مستجدّات المشهد، كما أنّ التراجع الأميركي والتقدّم الصيني والوجود الروسي من تلك المعالم المتزاحمة في تشكيل الخريطة المقبلة.

 

ما تزال نوايا إيران موضع شكوك لدى كثيرين، وفي القاهرة يخشى مثقّفون من أن تكون العودة البراغماتية لإردوغان غير آمنة، وأنّه ربّما يتحيّن فرصة أخرى للالتفاف ودعم جماعات الإسلام السياسي في موجة ثانية عبْر تحالفات جديدة مع الغرب.

 

لكنّ القاهرة التي صمدت حتى جاءها إردوغان تاركاً وراءه كلّ خطبه وضجيجه تضع في حساباتها الصِّدق والمناورة معاً. كما أنّها تضع في الاعتبار احتمالات نهاية إردوغان نفسه، ومغادرته المشهد بأكمله.

 

بقدر ما ستكون علاقات القاهرة وأنقرة، وعلاقات الرياض وطهران، واتجاهات واشنطن وبكين، بقدر ما سيكون الشرق الأوسط الجديد.. وربّما النظام العالمي الجديد. 

أخبار ذات صلة

0 تعليق